الخميس، 2 ديسمبر 2010

رسالة امرأة إلى وزارة العدل

يدخل الرجل إلى عقد الزواج ثابت الخطى مطمئن النفس إلى ضمانات لم تمنحه إياها الشريعة الإسلامية بقدر ما منحته إياها اختيارات معينة ضمن مجموعة خيارات متاحة انتقتها من بينها وزارة العدل .
وفي المقابل تدخل المرأة هذا العقد قلقة، مرتبكة لانعدام ضمانات تحقق أمانها واستقرارها النفسي .
ولعلني أورد في نقاط محددة الإجراءات المبنية على الخيارات الإنتقائية لوزارة العدل و التي يمكن استبدالها بخيارات أخرى تتيحها الشريعة تضمن استقرار جميع أفراد الأسرة ( الزوج، الزوجة، الأبناء )، و أمان المرأة بشكل عام .
1- تعمل المحاكم في الخلع بقول الحنابلة القاضي بدفع المرأة المهر للرجل مقابل الفراق حتى لو كان مضراً بها ويسيء عشرتها .
مع أن هناك قولاً للمالكية يقصد إلى رفع الضرر عن المرأة في هذه الحالة ، يجبر به الزوج على تطليقها متى ثبت ذلك للقاضي بسؤال الجيران و الأقارب .
وبالتأكيد هذا لن يفعِّله إلاّ وجود لجنة اجتماعية استشارية تستطيع أن تقف على صدق دعوى المرأة ، ومتى ما ثبتت فرّق القاضي على الزوج دون عوض أو مقابل .
وهذا الخيار المالكي رغم عدم العمل به في محاكمنا إلاّ أنه أقرب إلى النص
الشرعي في حديث ثابت بن قيس عندما قالت زوجته ( ما أعيب عليه من خلق
ولا دين ) ، وفي رواية : ( ما أعتب عليه في خلق ولا دين ) ، ومع ذلك قال
النبي صلى الله عليه وسلم : ( اقبل الحديقة و طلقها تطليقة ) .
فهو لما كان غير مضرٍ بالمرأة ، كان العدل معه أن تؤدي له المهر الذي يعوضه
بزوجةٍ أخرى .
ومن العدل أيضاً أنه متى كان ظالماً لها ألاّ نعينه على الظلم باستلاب عمر المرأة
ومالها أيضاً ، وقد تكون لا تملك ما تفتدي به نفسها من ظلمه .
2- تعمل المحاكم السعودية بقول الحنابلة في الحضانة القاضي بتخيير الولد بين أبويه، و إجبار البنت في اللحاق بأبيها .
مع وجود قول الشافعية القاضي بتخيير الاثنين، وهو أكثر اتساقاً مع النص الشرعي، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم خيرّ غلاماً بين أبويه، و الحادثة جاءت اتفاقاً في صبي، ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بأحقية الصبي بذلك دون الفتاة ، مما يجعل قول الحنابلة من أضعف الأقوال الفقهية في المسألة .
وقد كنت كتبت مقالاً مفرداً في مراجعة هذا التطبيق القضائي في المحاكم السعودية بعنوان: ( الحضانة في التطبيق القضائي دعوة إلى المراجعة ).
وهذه القضية تحديداً ترتب عليها بالتطبيق القائم محاذير كثيرة و أضرار جسيمة ربما تلتفت إليها وزارة العدل :
أ‌- كثير من الفتيات سلمن لآباء عنيفين ظالمين بمقتضى هذا الخيار، مما كان سبباً في قتل بعضهن، و اعتداء الجسدي البليغ بالبعض الآخر، وحرمان بعضهن من التعليم وغير ذلك ، وقد كثر ورود أخبار كثيرة من هذا القبيل في الصحف السعودية مؤخراً .
وقد ناديت في مقالي حول التطبيق القضائي القائم بضرورة إلحاق لجان اجتماعية ونفسية استشارية بالمحاكم تساند القضاة في النظر و البحث عن البيئة الأفضل لتربية الأبناء في قضايا الحضانة، والتي لا يشترط أن تكون بيئة الأم، كما لا يشترط أن تكون بيئة الأب حتى في حال تزوج الأم، يظل الهدف هو وضع الطفل في المكان المأمون، على اعتبار أن هدف الحضانة
هو التربية والعمل على ما فيه صلاح المحضون .
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي الذي يوجهه إلى الصالح من الأحكام باعتبار النبوة ، والقضاة ليسوا أنبياء؛ لذا كانت حاجتهم شديدة للجان معينة لهم للقيام بواجبهم تجاه الصالح ، حتى لو كان ذلك الصالح بتجاوز وضع الطفل عند أحد الأبوين إذا كان كلاهما غير أهل لذلك ، ووضعه لدى جد، أو جدة، أو قريب أكثر أماناً عليه يستطيع النهوض بهذه المهمة .
ب‌- ربما كان هذا التطبيق يمثل اكبر مصدر قلق بالنسبة للمرأة لأنه يعطل حياتها التي تقدم إيقافها على أبنائها مخافة أن ينتزعوا منها متى تزوجت إلى أب تخشى منه عليهم ، ما يفتح باباً لفتنة كبيرة في الأرض وفسادٍ عريض .
وبذلك تشعر المرأة في عقد الزواج لعنة تمكن الرجل عند الفراق من الاستمرار في حياته بتكوين أسرة جديدة، خاصة في ظل تربية خاصة في السعودية مبنية على ترفيه الذكور دون الإناث، بينما المرأة تقف حمايتها لأبنائها عائقاً أمام ممارسة حقها في الحياة كإنسان .
وهذا يؤكد ضرورة وجود مثل تلك اللجان، ووضع آلية إجرائية لحماية حق المرأة المطلقة في الحياة .
3- يستطيع الرجل أن يتخلص من المرأة متى أحس أنها مصدر أذى له، وحتى لو لم تكن كذلك لمجرد رغبته في ذلك بمنتهى البساطة .
بينما يعسر الأمر أمام المرأة، وتطول الفترة إلى ما لا يقل عن سنة، أو ثمانية أشهر، مع أن المرأة عندما جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم شاكية لم يأخذ الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من التفاتة إلى زوجها و أمره بتطليقها .
وبما أن القضاة لدينا ليسوا أنبياء فإن الأمر سيطول قليلاً للبحث و النظر، ولكن في كل الأحوال لا يستحق أن يتجاوز الشهر إلى الشهرين بالكثير .
وليت أن الوزارة تصدر تأقيتاً للقضايا افتراضياً مبني على أقصى فترة يمكن أن تحتملها بناءً على نوعها، خاصة تلك التي يتوقف عليها حياة جماعة و أفراد كالخلع، و الحضانة، و النفقة، وتوزيع الميراث، وما يشبهها من قضايا يحصل بتطويلها ضياعاً للبشر .
4- تعمل المحاكم السعودية بقول الحنابلة في ترتيب الأولياء، والإصرار على أن تقوم المرأة بإحضار أوليائها حتى لو كانوا عاضلين، دون تفعيل حقيقي لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( السلطان ولي من لا ولي له ) .
و أحياناً يكون هناك إصرار على تقديم الإخوة على الابن في الولاية على الثيب ، ويكون الابن أكثر تعاطفاً مع الأم في حين يمنعها الإخوة الذين من الأصل لا يمثلون سنداً لها في الحياة .
فإذا كان كذلك يمكن تقديم الابن على الإخوة بناء على قول المالكية، وحين يكون الابن عاضلاً يقدم الإخوة ، وحين يعضل الجميع يفعّل دور القاضي في العقد للمرأة؛ فتحاً لباب الحلال، وحماية للنساء من الوقوع في الحرام .
وقد دفعني إلى قول ذلك حادثة حدثت أمامي في المحكمة ، حيث جاءت إحدى النساء بابنها البالغ من العمر 18 سنة ليكون وليها في عقدها لأن إخوتها لا يدرون عنها ولا ينفقون عليها، وهي امرأة لا تعمل وقد تقدم لها من هو مستعد للإنفاق عليها و إعالة أبنائها .
وقد هالني خروجها تصرخ بكل صوتها تقول: جئت طالبة للحلال،ولم تتركوا لي طريقاً غير الحرام .
لا أستطيع نسيان صوتها، وغضبها رغم مرور ست سنوات على ذلك.
ليت وزارة العدل تقف موقفاً حازماً من الولاة الواقفين حجر عثرة أمام تزويج النساء، و أن تحقق تسامحاً في قضايا الكفاءة؛ حيث أن الزواج بغير الكفؤ نسباً دام أنه صاحب دين وخلق وتعليم، خيرٌ من الوقوع في الحرام، ولا يعد عدم تحققها مادام قد تم العقد برضا المرأة ووليها المباشر للعقد سبباً لشتات عائلة لمجرد أن هناك من لا يريد ذلك .
5- وضع قانون إجرائي يعاقب على تزويج القاصرات لحمايتهن من العنف و الاعتداء الجسدي، والنفسي .
6- عندما تلجأ المرأة إلى القضاء لأي أمر يطلب منها معرف، بينما لا يطلب ذلك من الرجل مع أن كلاهما يحمل بطاقة تعريفية، مما يعطل شؤون المرأة ومصالحها ،وربما أوقع بها ضرراً، كضرورة إيقاف عمل وكيل، وهي لا تجد من هو متفرغ للذهاب معها للمحكمة لتعريفها مما يجعل وكيلها يستمر في التصرف لها بما يضرها ولا تملك إيقافه .
و إذا كان الدافع لطلب المعرِّف هو غطاء المرأة لوجهها فإنه من المعلوم أن
الشريعة تجيز للقاضي النظر إلى وجه المرأة متى دعت الحاجة، وهذا معروف
حتى في المذهب الحنبلي .
هذه رسائلي إلى وزارة العدل مبنية على خيارات شرعية قد تكون سبباً في رفع
الكثير من معاناة المرأة السعودية .

هناك تعليقان (2):

  1. السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
    يقول الله سبحانه و تعالى في سورة النساء{ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين }
    هذا باتفاق جميع التفاسير انه في الميراث وفي أية أخرى من نفس السورة يقول عز وجل [ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ] و هذه الآية تتحدث عن الأزواج بغض النظر عن ما جاء من أقوال في شرح القوامة فقد أصبح من السائد عند الكثير من الناس أن هذا هو واقع المرأة في جميع المعاملات بل و من أسف أن هذا المفهوم أصبح المسيطر على عقول واضعي القوانين و مطبقيها و هم لا يخرجوا عن أن يكونوا مسئولين أو منفذين و في كلا الحالات هم يعتبرون قضاة فمن وضع قانون معين هو في الواقع قد حكم بحكم معين على العموم و من ينفذ هذا القانون فهو الحاكم في طرقية تنفيذ هذا الحكم على عمومه و في الحقيقة هذا هو حال القوانين في العالم اجمع أي أن القوانين وضعت لتكون قاعدة لتنظيم الحقوق بين الناس و إعطاء كل ذي حق حقه على العموم و لكن على الخصوص إذا طبقنا القانون بحذافيره على جميع الحالات أصبح القانون جامد بل و ظالم في بعض الأحيان أي لابد لنا من الرجوع إلى فقه الواقع أي أن يكون لدا واضع القانون علم و إطلاع على واقع حال البيئة المحيطة و العرف السائد في أهلها و أما المنفذ للقانون فيجب أن يكون لديه ما اسميه بفقه الواقعة أي الإحاطة بكل واقعة على حدا فليس الهدف من وضع القوانين هو المساواة فالمساواة قد تكون ظلم و لكن الهدف الأسمى هو العدل و إعطاء كل ذي حق حقه . فلو فـعًلنا فقه الواقع و الواقعة
    لانعدل ما مال و أصبحنا في أحسن حال و لما أسعدتنا الدكتورة بهذا المقال .
    و لكن ليت قومي إلى ما قالت ينصتون و إلى واقع الحال بالعقل يحتكمون .
    حسن باجنيد
    allheart4all@yahoo.com

    ردحذف
  2. سعدت بمرورك يا ابن العم .

    و تعليقك محل تقديري، أشكرك .

    ردحذف