الجمعة، 12 نوفمبر 2010

الأبعاد النفسية والاجتماعية في الأحكام الشرعية( الولاية على البكر البالغة العاقلة أنموذجاً )

قد يختلف المسلمون في تفاصيل كثيرٍ من الأمور الشرعية، وهو خلاف مساغ فرضته طبيعة التعامل مع النصوص و احتمالاتها المختلفة .
لكن الأمة لا تختلف على أن الله عزّ و جلّ أراد لهذه الشريعة العظيمة أن تكون منظماً لحياة الإنسان تهدف إلى سعادته ورفع الحرج عنه .
والتعاطي مع الشريعة على أنها تقاطعات حديّة، و انحصار الفتوى في قوالب الأحكام التكليفية الخمسة بعيداً عن ملامسة الحياة وطبيعتها المعقدة والمتشابكة ليبعدها عن أهم سماتها من المرونة و السماحة التي كثيراً ما يفخر أبناء الإسلام بتميز شريعتهم بها .
هذا الحسّ عند معالجة الفتوى يغيب كثيراً عن الطروحات الشرعية التي في الغالب ما تقتصر على عرض آراء العلماء، و أدلتهم، ثم لا تتجاوز الترجيح، مما قد يخلق مشكلاتٍ اجتماعية، أو نفسية عند التطبيق و الإسقاط على أرض الواقع .
و الفقهاء رحمهم الله لامسوا هذا الجانب كثيراً في ثنايا ما سطروه وما أُثر عنهم، الأمر الذي يؤكد إحساسهم بتوقع ربكةٍ قد تحدثها الفتوى إذا لم تسقط على حياة الناس و تتعامل مع التعقيدات الدقيقة لإنسانيتهم وواقعهم .
وقد تكون مسألة الولاية على الفتاة البكر البالغة إحدى الشواهد المعززة لذلك؛ إذ أن الفقهاء عندما قرر بعضهم جواز إجبار الفتاة البكر البالغة على الزواج ترسخ ذلك في صميم الثقافة العربية و البنية العقلية لدى المسلمين، وعليه اعتقد بعض الأولياء في الولاية سلطة تمنحهم أحقية فرض إرادتهم ونظرهم المستقل على حياة تلك المرأة ومصيرها الأسري .
و انطلاقاً من هذا التصور – أي تصور الولاية كحق خالص للولي – يعمد بعض الأولياء إلى إكراه الفتاة إمّا على الزواج بمن لا ترغب، أو في الطرف الآخر يعمد بعضهم إلى عضلها والوقوف حجر عثرة أمام رغبتها فيه، والمشكلة الاجتماعية الحقيقية في اعتقادهم في كل ذلك شرعية ما يسلكون .

وهذه القضية ذات أبعادٍ خطيرة باعتبار أن الزواج منعطفاً مفصلياً في حياة الجنسين و الأسرة و المجتمع أيضاً باعتباره الحاضن الكبير و المصب الأخير لآثار السلوكيات الفردية .
هذا المشكل عزّزه انتشار الخطوط العريضة لأقوال الفقهاء في هذه المسألة بين عامة الناس دون تفاصيلها الدقيقة مما حوّلها بسطحية تلقيها عن الفقهاء إلى ثقافة مجتمعية .
في حقيقة الأمر أن المدقق في كلام العلماء، و الناظر في زواياه المختلفة، و السابر لتعليقاتهم المترافقة مع الحكم الشرعي يوصله التدقيق والسبر إلى التقائهم حول مركز جوهري من اعتبار المصلحة ودرء المفسدة رغم ما يبدو للنظرة الخاطفة من تضادٍ وتوازٍ في خطوط اتجاهاتهم .
ومما يبرهن على ذلك أن جمهور علماء المالكية، و الشافعية، والحنابلة الذين أجازوا إجبارها مخالفين بذلك الحنفية المانعين، هؤلاء الجمهور رغم تقريرهم ذلك في خطوط أقوالهم العريضة إلاّ أنهم وضعوا شروطاً وضوابط وسياجات تضمن الحماية من وقوع الضرر في السلوك الاجتماعي عند التطبيق ، ويمكن حصر هذه الاحتياطات فيما يلي :
أولاً: يحصر المالكية والحنابلة هذا الحق في الأب فقط؛ لكمال شفقته في الغالب، وعدم مساواة غيره له فيه، والشافعية يضمون إليه الجد لمساواته للأب في الشفقة والنظر لها .
يقول الإمام ابن تيمية:( وليس للعم، ولا لغيره إجبار البالغة على النكاح بكفء، فكيف بغير كفء ) .
ثانياً: رغم حصرهم الإجبار في الأب والجد إلاّ أنهم لا يجعلونه منفلت عن الضوابط التي تضمن عدم الانحراف إلى التعسف في استعمال الحق، فاشترطوا الشروط التالية :
1- ألاّ يكون بينها و بين الولي عداوة ظاهرة
2- أن يزوجها من كفء مع اختلاف نظرهم في خصال الكفاءة و التقديم و التأخير بينها.
3- أن يزوجها بمهر مثلها .
4- أن يكون المهر من نقد البلد .
5- ألاّ يزوجها من معسرٍ بالمهر .
6- و تفرد الشافعية باشتراط انتفاء العداوة بينها وبين الزوج، مع ملاحظة عدم تقييدها هنا بالظاهرة التي وضعوها للأب، مما يدل على اشتمالها للعداوة الباطنة أيضاً، وهذا يشير ضمناً إلى اعتبار الرضا .
7- كما أضاف الحنابلة أن يكون الولي- وهو الأب عندهم – راشداً عارفاً بالمصالح، لا شيخاً كبيراً جاهلاً بالمصلحة .
ثالثاً: المالكية مع سيرهم في الاتجاه القائل بجواز الإجبار في الجملة إلاّ أنهم يقررون حالات لا يصح فيها إجبار الفتاة البكر البالغة على الزواج أو عدمه، وتتلخص في الحالات التالية :
1- البكر التي تقدم بها السن؛ إذ هي بحكم سنها لديها معرفة بالمصالح و المفاسد والموازنة بينها .
2- المرشّدة: ويقصد بها التي اعترف لها أبوها بالرشد في التصرف لحسن تصرفها، فهذه حق لها إطلاق إرادتها في الاختيار اطمئناناً إلى قرارها .
ولعل هذه الشرارة المالكية تقرر دور التربية، و التنشئة الاجتماعية في ترشيد الإنسان بصفته إنساناً بغض النظر عن الجنس .
رشد أفراد المجتمع ما هو إلاّ انعكاس طبيعي لترشيد المجتمع، وقد يتخذ ترشيد المجتمع للرجل نموذجاً صالحاً للقياس عليه .
فالمجتمع يرشّد الرجل كجنس رغم أنه يوجد في آحاد الرجال من ليس براشد، بل وفي آحاد النساء من هنّ أرشد من بعض آحاد الرجال، والعكس صحيح؛ إذ الرشد حالة عقلية ونفسية لا تخلق في الفرد بحكمٍ خارجي منفك عن تأصلها في ذاته من خلال التربية، والتنشئة الاجتماعية، إضافة إلى الاستعدادات الشخصية، يقول الله عزّ و جلّ:( أليس منكم رجل رشيد ) .
وقد لفت النظر إلى ذلك الإمام الشافعي رحمه الله حين قال :
( والرجل في بعض أمره في معنى الأيامى الذين على الأولياء أن ينكحوهن إذا كان مولى بالغاً يحتاج إلى النكاح، ويقدر بالمال فعلى وليه إنكاحه، فلو كانت الآية و السنة في المرأة خاصةً لزم عندي الرجل؛ لأن المعنى الذي أريد به نكاح المرأة العفاف لما خلق فيها من الشهوة وخوف الفتنة، وذلك في الرجل مذكور في الكتاب؛ لقول الله عزّ وجلّ:( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ..... ).
فالإمام الشافعي وهو الذي يرى جواز إجبار الفتاة البالغة على الزواج خوفاً عليها من الفتنة التي قد تجرها إليها الشهوة فتعمي فيها بصيرة الرشد، يرى أن ذلك متحقق في الرجل بل و بالنص الشرعي الذي أورده مما يكون مبرراُ قوياً في تساويه مع الأنثى في هذه النزعات النفسية التي فطرها الله عليها، وعليه بنى أن من حق الولي فرض الزواج عليه جبراً حماية له ولمحيطه المجتمعي .
و هي لفتة دقيقة من الإمام الشافعي رحمه الله في رصد المعتملات النفسية للجنسين، و إنصاف يؤكد حضور بصيرة الفقيه واقع الحياة والناس .
قد نختلف معه في الإجبار وقد نتفق، إلاّ أننا لا نملك إلاّ أن نتفق معه على مبدأ المساواة الذي تؤسسه الشريعة الإسلامية حين تتعامل مع النفس الإنسانية كنفسٍ محترمة تعتملها جميع المشاعر و الاحتياجات بغض النظر عن جنسها .
ثم إن المرأة التي يتحدث عنها الفقهاء هي امرأة زمانهم التي عاشت تلك العصور وكان دورها في الغالب منحصراً داخل بيتها، ولم يشهد لها زمنها حضوراً أو مشاركة كبيرة في التنمية الاجتماعية، وهي غير امرأة اليوم التي وصلت لأعلى المناصب والمراكز العلمية و الإدارية تاركة خلفها بصمة عميقة الأثر لا يمكن إنكارها في جميع المجالات .
امرأة كهذه كيف يملك المجتمع عدم الاعتراف برشدها وقدرتها على التصرف و اتخاذ القرارات لغيرها، فضلاً عن اتخاذها لنفسها من باب أولى، فالقضية في منتهاها لا تعدو عن كونها عرفاً اجتماعياً لحالة نفسية للجنسين في وقتٍ معين تغيره الأعراف و الحراك الاجتماعي .
3- البكر التي عضلها وليها ومنعها من الزواج سواءً كان المانع أباها، أو غيره .
4- البكر التي زوجت بعَرَض- أي بغير الذهب والفضة – وهي من قومٍ لا يزوجون به، ولا أب لها ولا وصي ينظر في مالها .
5- البكر التي يزوجها غير أبيها .
6- كما لا تكره الفتاة على الزواج بذي عاهة .
رابعاً: حديث رسول الله صلى اله عليه وسلم الذي هو مستند الاتجاهات المختلفة في الولاية:( الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها و إذنها صماتها )، ليس مقتضاه التفرقة بين البكر و الثيب في الإجبار وعدمه بقدر ما هو إلماح متكئ على الواقع لنفسية المرأة بين الثيوبة والبكارة؛ فلما كانت الثيب أكثر خبرة بأمر الزواج، وربما تعرضت للفساد لو منعت، كان لها أن تخطب إلى نفسها، و أن تأمر وليها بتزويجها وتطلب الزواج .
على خلاف نفسية البكر الأكثر ميلاً إلى الحياء وعدم الإفصاح و التي رتب عليها الشارع أن يكون سكوتها إحدى العلامات التي ترجح قبولها للزواج، وإن كان ليس علامة يقينية حين يخضع للتغيرات الاجتماعية عبر الزمان والمكان، وقد لفت لذلك الإمام ابن حجر، وابن تيمية، وابن رشد الحفيد رحمهم الله، ولهم في ذلك كلام في غاية النفاسة .
خامساً: نظر كثير من فقهاء هذا الاتجاه إلى اعتبار رأي الأم في تزويج ابنتها لما له من أثر نفسي و اجتماعي في استقرار حياتها الزوجية؛ استناداً إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم:( آمروا النساء في بناتهن ).
يقول الحطّاب وهو احد علماء المالكية :
( لأنه إذا كان برضاها حسنت صحبة زوج ابنتها ).
سادساً: القائلون بإجبارها يقولون بعدم جواز تزويج أمتها بدون رضاها فيكون القول برضاها لنفسها من باب أولى .
سابعاً: يعتبر القائلون بالإجبار المرأة رشيدة في مالها لا تجبر على تصرفٍ معين فيه، كما لا يجوز التصرف فيه دون رضاها، فإن كان هذا شأن المال الذي لا يترتب على ضياعه مفسدة بحجم ضياع النفس و المجتمع فيكون في شأن النفس من باب أولى .
وبهذا يظهر أن خلاف الفقهاء حول اعتبار رضا المرأة في العقد بالتفاصيل التي أوردتها عنهم لمؤشر قوي على إحساسهم بالأبعاد التي تحدثت عنها، وإدراكهم لآثار الإجبار في تعاسة الفتاة وإلحاق الضرر بها، وربما عدم إعفافها الذي هو المطلوب الأعظم للزواج عندما لا تكون مقتنعة بالزوج، وربما أدى بها ذلك إلى التطلع لغيره مما ينعكس سلباً على أسرتها وعلى المجتمع .
وهذا يعضد أن أحكام الفقهاء لم تنفك عن النظر المقاصدي في الإصلاح على الصعيدين النفسي و الاجتماعي قصداً إلى إرساء سفينة المجتمع بما فيه من تقاطعات حقوقية، فردية وجماعية على واقعٍ متسقٍ سعيد، سفحه الأمان، وقمته سعادة الإنسان .
يروي الإمام ابن أبي شيبة عن السيدة عائشة رضي الله عنها:( أنها كانت إذا هوى الفتى من بني أخيها الفتاة من بني أختها ضربت ستراً بينهما وتكلمت فإذا لم يبق إلاّ النكاح قالت: يا فلان أنكح فإن النساء لا ينكحن ) .
وهذا الأثر عن السيدة عائشة رضي الله عنها وبعد نظرها يهوِّن الخلاف حول اعتبار كلمة المرأة في العقد ومباشرتها له بنفسها .
لأن الزواج متى تأسس على أرضية اجتماعية جيدة متفهمة لرغبة ورضا أفرادها لن يضير بعدها من يباشر العقد.
بل عندها يظهر الدور الحقيقي للأولياء كما أراد الشرع في معاضدة المرأة ومساندتها في أهم قرار تتخذه لنفسها، ويكون تولي عقدها بعد موافقتها مشاركة لها في فرحتها؛ وإرفاعاً لقدرها ومكانتها؛ ونيابة عنها في وقتٍ تكون فيه مشغولة بما يتطلبه الزواج من أمور زينتها، فيتم في جو ملئ بالحب و السعادة .
يعضد هذا المعنى مفهوم الولي في اللغة المتردد بين هذه المعاني جميعها، فهو الصاحب، والنصير، والمحب، والحليف، والشريك، والقريب، والجار، وليس هو المستبد، أو المتسلط، أو القائم عثرةً في سبيل سعادة المولى عليها .
وهكذا يظهر أن الفقهاء عاشوا واقع أزمانهم بأحداثه وتفاعلوا معه ربما أكثر مما صنع خلفهم و مما صنعنا نحن أيضاً .

الخميس، 14 يناير 2010

الحضانة في التطبيق القضائي دعوة للمراجعة

من الحين للآخر تطالعنا الصحف المحلية السعودية بقصص الفتيات اللاتي يعانين الضيم والظلم، على يد بعض زوجات الأب القاسيات واللاتي أحيانًا يشاركهن الآباء فيما يقترفن من همجية ووحشية تغتال براءة هؤلاء الفتيات المغلوبات على أمرهن.

عامان مرت على قصة "الطفلة غصون" ولا تزال تفاصيلها المؤلمة تعتصر قلبي، وصورتها التي شوهت بكل أصناف التعذيب تطل على ذاكرتي؛ فهذه الطفلة المسكينة ابنة الأعوام العشر والتي أجبرت على الالتحاق بأبيها بعد فراق الأم له؛ بسبب قسوته ووحشيته، قد مورس عليها ما لا يمكن تصديقه من سلوكيات وحشية تكمن وراءها نفسيات شاذة يستحيل أن تنطوي على ذرة من الإنسانية، حيث كان الأب وزوجته التي اقترن بها بعد فراق "أم غصون" يتناوبان على تعذيبها، ففُقئت عيناها بالفرجار (البرجل)، وطُعنت بآلة حادة تحت السرة، وأُحرقت في مواضع متفرقة من جسدها، وحُرمت الطعام والشراب، وضُربت بعنف مما خلّف كدمات شديدة على وجهها وجسدها الضعيف حتى فارقت الحياة.

سلوكيات شاذة

هؤلاء الأطفال الذين ابتلوا بانفصال والديهم (ذكورًا وإناثًا) يحتاجون إلى النظر في أمرهم بصورة أكثر فاعلية لحماية ضعفهم من سلوكيات شاذة تسقط عليهم.

لفتة أوجهها لوزارة العدل في السعودية بتأسيس لجان اجتماعية تُلحق بالمحاكم الشرعية تشارك القضاء النظر في قضايا الحضانة وإلحاق الأطفال -ذكورًا وإناثًا- بأحد الأبوين.

تبحث هذه اللجان في معرفة البيئة الأفضل في تربية هؤلاء الأطفال بغض النظر عن كونها بيئة الأب أو الأم، إنما يكون الهدف هو وضع الطفل في البيئة القادرة على تنشئته النشأة الصالحة نفسيًّا واجتماعيًّا؛ ليصبح مواطنًا صالحًا يساهم في بناء أمته ووطنه بدلاً من أن يكون وبالاً عليها.

الأطفال ثروة بشرية تستحق تكلف الجهد من أجل توفير أنسب المناخات لإنمائها، والمجتمع بكل مؤسساته الذي يَكلَف في بنائهم هو المستفيد الأول وهو الذي يشقى متى توانى في حقهم ماديًّا أو معنويًّا.

تعمل المحاكم السعودية في قضية الحضانة والإلحاق وفق المذهب الحنبلي الذي يذهب إلى إجبار الفتاة على الالتحاق بأبيها، وتخيير الصبي بين أحد الوالدين متى بلغ كلٌّ منهما سن السابعة، اعتمادًا على الحادثة التي وقعت في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم والتي تحكي قصة امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بابنها الذي كان يقوم على مصالحها من إحضار الماء والطعام، تشكو والده الذي يريد انتزاعه منها، وتروي القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم التفت إلى الصبي قائلاً: "هذا أبوك وهذه أمك فاختر أيهما شئت"، فأخذ بيد أمه فانصرفت به.

مراجعات شرعية

وهذه الحادثة أولاً: لم تذكر أن هناك ضررًا سيقع على الصبي بالتحاقه بأبيه أو ببقائه عند أمه؛ إذ إن كلتا البيئتين كما يبدو من الرواية كانت صالحة لتربيته إلا أن احتياج الأم إليه كان أشد؛ لذلك خيره النبي صلى الله عليه وسلم فكان ما اختار.

ثانيًا: هذه القصة وقعت اتفاقًا في شأن طفلٍ ذكر، بمعنى أنه لم تقع حادثة أخرى في شأن فتاة -أو لم تنقل على الأقل- حتى نعلم منها ما سيكون حكم النبي صلى الله عليه وسلم فيها، وهو ما يشير إلى أن هذا الحكم -أي التخيير- هو حكم كل طفلٍ هذا شأنه، سواءً كان ذكرًا أم أنثى؛ بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: وهذا حكم الصبي أما الفتاة فإنها تجبر على التحاق بأبيها، وهو بيان مهم للجزم بالإجبار، وتأخير البيان عن وقت الحاجة إليه محال في حق الأنبياء عليهم السلام؛ لذلك يُستغرب جزم الحنابلة بإجبار الفتاة دون الصبي لمجرد أن حادثة التخيير وقعت لصبي، وليس ثمة دليل لا من قريب ولا من بعيد يشير إلى ذلك؛ لذلك تجد الشافعية يذهبون إلى تخيير كلٍّ من الجنسين (الذكر والأنثى) اعتمادًا على ذات الرواية.

ونظر كلٌّ من الحنفية والمالكية إلى المصلحة على اعتبار أن مفهوم الحضانة هو التربية والإحاطة بالرعاية والإصلاح؛ لذلك تجدهم لا يقرون قضية التخيير من أصلها، سواءً للولد أو الفتاة؛ لأن الطفل إذا خُيّر فإنه لغلبة هواه وعدم معرفته بمصلحته ولقصور عقله قد يختار غالبًا من عنده الراحة وعدم الحزم وإن لم يتحقق فيه النظر له.

من هذا المنطلق نجد الحنفية يحكمون بإجبار الصبي بعد سن السابعة على الالتحاق بأبيه إلى سن البلوغ لحاجته إليه أكثر من حاجته إلى أمه في تنشئته على التخلق بآداب الرجال وأخلاقهم، وبعد البلوغ يُخير بين أبويه، وإن أراد أن ينفرد فله ذلك إلا إذا خُشي عليه.

ويرى المالكية المصلحة في تركه عند الأم إلى البلوغ على اعتبار أنها أكثر تفرغًا من الأب للتربية، وبعد البلوغ له أن يذهب حيث يشاء أيضًا ما لم يُخش عليه.
أما البنت فكلا المذهبين يرى المصلحة في تركها لدى الأم بعد السابعة لشدة احتياجها إليها في تعلم آداب النساء وشئون إدارة البيت، وكيفية التعامل مع فترة البلوغ الحرجة.

لذلك تمتد عند الحنفية حضانة البنت إلى سن البلوغ وبعدها تجبر على الالتحاق بأبيها دون تخيير، بينما يتوسع المالكية لتمتد حضانة البنت عند أمها إلى أن تتزوج وتنتقل إلى بيت زوجها حتى لو بلغت البنت ثلاثين أو أربعين سنة قبل أن تتزوج، وطبعًا في جميع الحالات ما لم يُخش على الطفل، سواء كان ذكرًا أم أنثى من ضررٍ أو فساد.

مصلحة الطفل

وهكذا نلمس الاختلافات المتشعبة والكثيرة حول رؤية تضمن أفضل تنشئة للأطفال في ظل ظروف فراق الأبوين، وهذا ما يؤكد ضرورة النظر في العلة الحقيقية من الحضانة والتي هي رعاية المحضون وحمايته من الضرر وحماية المجتمع منه عند تجنيبه أسباب التشرد والانحراف، وهذا ما يدفع إلى مناشدة القضاء السعودي إلى تشكيل لجان اجتماعية تنظر في البيئة الأصلح لاحتضان هؤلاء الأطفال، بعيدًا عن التطبيق الروتيني المحض بإجبار البنت على الالتحاق بأبيها وتخيير الولد؛ إذ ليس بالضرورة أن تكون المصلحة في ذلك.

وقد أشار الإمام ابن تيمية رحمه الله إلى هذا المعنى عندما قال:

(ولو كان الأب عاجزًا عن حفظها أو يهمله -أي الحفظ- لاشتغاله عنه، أو قلة دينه، والأم قائمة بحفظها قدمت).

وقال أيضًا:

(إذا قُدِّر أن الأب تزوج بضرة وهو يتركها عندها وهي لا تعمل مصلحتها، بل تؤذيها أو تقصِّر في مصلحتها، وأمها تعمل مصلحتها ولا تؤذيها فالحضانة هنا للأم قطعًا).

وهذا يؤكد أن مدار الأمر على المصلحة.

وهنا كلمة لا بد أن توجه إلى الآباء والأمهات قبل القضاء بأنهما مهما احتدمت الخلافات بينهما فإن الأمر إذا وصل إلى الأولاد فإن عليهما التحلي بالحكمة والروية والنظر بعقلانية في مصلحتهم، فيعملان حتى بعد الفراق وذهاب كلٍّ في حاله وتكوينه لحياةٍ جديدة على التعاون يدًا بيدٍ من أجل الحفاظ على فلذة أكبادهما وحمايتهم وتوفير أفضل الأجواء الملائمة لإصلاحهم، والوصول بهم إلى مرافئ الأمان إلى أن يبلغوا سنًّا يكونون فيه قادرين على القيام بأمرهم، وألا يسمحا للخلافات التي أدت بهما إلى الفراق أن تتجاوز مخالبها لتُطال الأطفال الأبرياء الذين لا ناقة لهم في كل ذلك ولا بعير.



Read more: http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&pagename=Zone-Arabic-AdamEve%2FAEALayout&cid=1199279964345#ixzz0caOaNA1p

الجمعة، 8 يناير 2010

الأبعاد النفسية والاجتماعية في الأحكام الشرعية ( الخلع أنموذجاً ) .

لم تكن الشريعة المنطلقة من دقائق تفاصيل حياة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته في غفلةٍ عن الإحساس بالنزعات الإنسانية، والحاجات النفسية، والأبعاد الاجتماعية.
كانت تلك النزعات مبرراً رئيساً لصدور أحكامٍ وتشريعات محترمةً لها، ومدركة خطر إغفالها في سيادة ثغرات وخلخلات اجتماعية حتمية .
ولعلني أعطي نموذجاً لنصٍ شرعي عكس أحكاماً لم يبررها إلاّ النظر في أبعاد النفس، وتقدير ما ينتج عن إهمال حاجاتها .
فهاهي امرأة ثابت بن قيس رضي الله عنهما في حديث الخلع تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقول نصاً: ( ما أعيب عليه من خلقٍ ولا دين، ولكن أكره الكفر في الإسلام ) .
لم تشر الرواية إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم سأل المرأة عن السبب الذي دفعها لقول ذلك والرجل كما تصف مكتمل الدين والخلق، كما أنها لم تشر أيضاً إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم وبخ، أو أنب، أو قال: خافي الله يا امرأة، أو اتقِ الله، كل ما تفوه به النبي صلى الله عليه وسلم كلمة واحدة: أتردين عليه حديقته ؟ ( مهراً أمهرها إياه )
فقالت: نعم .
فالتفت إلى ثابت التفاتة تنبئ عن سرعة استجابة لطلب المرأة في الفراق قائلاً: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة .
وكلما دققنا النظر في مقالة المرأة ازددنا دهشة من دعوى لا توصل مقدمتها إلى النتيجة التي انتهت إليها .
فإذا كان الرجل كما تصفه بملء فيها لا خلل ظاهر في دينه وخلقه فلماذا كانت الدعوى أصلاً .
و ما الذي ألجأها إلى التهديد بكلمة الكفر التي ارتدع المسلمون عن النطق بها في أشد المواقف مأزقاً في موضع الابتلاء أمام قريش وجبروتها وسومها لهم بأصناف العذاب .
وأين تفوهت بها ؟
في مجلس قضاء أمام سيد الأنام نبي الإسلام، وحاكم الأمة، وقاضيها .
لو صدرت هذه الشكوى أمام أحد قضاتنا لاعتبر ما ذكرته المرأة تبجحاً، ولربما عزرها بعقوبة رادعة لها ولغيرها عن الجهر به، أو ربما حكم عليها بالردة وطالبها بالنطق بالشهادتين .
ولو همست بها لصفيّ بغرض التنفيس لما نجت من سياط اللوم، ولاتهمت
بالجحود لنعمة الكريم الذي منّ عليها بهذا الرجل النفيس.
إلاّ أن الرواية تخبرنا بأنّ شيئاً مما توهمناه مما هو مبني على تصور الطبيعي في حياتنا لم يقع .
لم يلم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعتب، لم يؤنب ولم يعاقب، لم يأمر بالصبر والتصبر، لم يهمل الدعوى ولم يؤجل إلى فترات متباعدة تموت على أثرها النفس على النفس حسرة لضياع عمرها .
رغم مقدمة المرأة المنصفة للرجل الواصفة له بالخلق والدين يلتقط النبي صلى الله عليه وسلم ألماً نفسياً فاحشاً خلفها وشى به قولها: ( ولكني أكره الكفر في الإسلام )، دفع إلى سرعة الاستجابة و أمر الرجل بالفراق .
ورغم تفسير أهل العلم لقول المرأة: ( ولكني أكره الكفر في الإسلام ) بأحد تأويلين :
الأول: أنها تكره الخروج عن ملة الإسلام، ولكنها ستفعل إن كان هو السبب في فراقها للرجل؛ إذ أن الشريعة تحكم بالتفريق بين الزوجين في حال ردة أحدهما .
الثاني: أنها تكره أن تكفر به كعشير فتمتنع عن إجراء حقوقه الواجبة عليها.
إلاّ أنني رغم ذلك ألمح في مقولتها ملمحاً آخر ألا وهو خوفها على نفسها الفساد والانحراف .
يعززه إيراد الإمام ابن حجر رحمه الله في ثنايا شرحه للحديث في كتابه فتح الباري روايةً تبرر فيها المرأة طلبها لفراق زوجها البعيد عن النقائص تقول فيها : ( كنت أرفع الخباء فأراه مقبلاً في القوم أقصرهم قامةً، و أقبحهم منظراً ) .
فقولها ( مقبلاً في القوم ) يُظْهِر أنها كانت تقارن بينه وبين غيره من الرجال الذين قد يكون بينهم مما قد يستتبع دفعها قسراً إلى الافتتان .
ثم هي لم تقل: كان قبيحاً قصيراً، و إنما ذكرته في إطار المقارنة بينه وبين رفاقه المستوجب لطول تدقيق تأمل .
ويعزز ما ألمحت إليه أيضاً تعبيرها بـ ( أكره الكفر في الإسلام ) ، دون التعبير بـ ( أكره الكفر بعد الإسلام ).
لم يستفصل النبي صلى الله عليه وسلم رغم هول كلمة المرأة عندما وجد نفسه أمام عبارة فاضحة لمعاناة ثقيلة ونفسٍ متأرجحة بين الثبات على الدين والانقلاب عليه أو على ما يقتضيه من آداب و أخلاق لثوران نزعاتٍ نفسية ملحة بغض النظر عن تجسدها في شعورها بالألم لظلم من لا يستحق- أقصد به زوجها الذي وصفته بالدين والخلق – أو لخوفها من الوقوع في مهاوٍ تنأى بنفسها عن التردي إليها .
وعلى جميع التكهنات والافتراضات فإن النبي صلى الله عليه وسلم الإنسان شعر بمعاناة النفس فحكم بما يرفعها، وحكم أيضاً بما يحمي به المجتمع جراء انفجارها والثورة على متجاهلها ، فكانت ردة الفعل في سرعة الاستجابة وفي الإعذار بتجنيب قسوة الملامة والعتاب .
ولو أن القضاة لدينا استلهموا السلوك النبوي وساروا على نهجه لما طال نفس القضايا في أروقة المحاكم ولما وجدت كثير من النساء أنفسهن بين مطرقة اللوم وسندان التسويف .
ولعلني في دراسة أخرى لوجه قضية شرعية أخرى أعزز الاعتراف بحاجتنا لذلك البعد الإنساني عند التعاطي مع القضايا الشرعية .

التفريق بين فاطمة ومنصور عرف شرعي أم شرع عرفي

كنت أتابع البرنامج التلفزيوني اليوم السابع على قناة mbc الفضائية عند عرضه للقضية التي أثارت جدلاً كبيراً بين فئات المجتمع السعودي المختلفة، أقصد بها قضية الفرقة بين الزوجين لعدم تكافؤ النسب، ولاحظت اختلاف ضيوف الحلقة حول اعتبار القضية شرعية أم عرفية؟ وقبل الخوض في إبداء ملاحظاتي ورأيي حول هذه القضية من منطلق تخصصي في نظرية العرف وأثرها في الأحكام الشرعية، أود أن أقف عند بعض النقاط التي لم يلتفت إليها الضيوف الكرام في خضم خلافهم حول بعض الجزئيات...

تفنيد الآراء

أولاً: هم لم يكونوا مختلفين جوهريًّا برغم ما بدا بينهم من اختلاف لفظي، بمعنى أن الجميع كان مقرًّا أن ثمة خطأ، إلا أن منهم من كان جريئاً واتهم القضاء، ومنهم من تحرج في نسبته إليه، وهذا الأخير ناقض نفسه عندما حدّد الخطأ في مجانبة السير مع المصلحة التي تنظر إلى الأطفال والأسرة، ثم تمييعه نسبة ذلك إلى من همّش هذه المصلحة في مقابل ما لا يعدّ مصلحة أصلاً، وإن عُدّ كذلك فهي مصلحة جزئية لا تعتبر في مقابل مصالح كثيرة، ودرء مفاسد أكثر تم إغفالها ليكون بذلك قد أقر ضمناً بأن القضاء قد أقدم على هذا الخطأ عندما لم يراعِ تلك المصلحة، لننتهي إلى الاتفاق على وجود الخطأ، سواء اعتبرت القضية شرعية أم عرفية اجتماعية.

ثانياً: اختلاف وجهات النظر -الذي أعتبره لفظيا- وشدة الجدل حوله أثار غباراً حجب الرؤية عن تقليب منطلق الحكم الذي أصدر في هذه القضية، ألا وهو نص الحنابلة في كتبهم، على اعتبار قول من أحدث من الأولياء، وإعطائهم الحق في فسخ نكاح قد تم بضوابطه الشرعية، وعقد بموافقة الولي الأقرب ورضا المرأة، وهو قول لا يستند إلى نص لا قطعي ولا ظني، ولا ما يقرب أن يكون نصاً، كما أنه لا يوجد من العرف أو العقل ما يعضده؛ لأن العمل به يلزم منه عدم بقاء نكاح لازم ثابت على وجه الأرض؛ إذ إن كل من عنّ له أن يفرّق بين الزوجين من الأولياء إذا أجزنا له ذلك نكون قد أعناه عليه، وهذا غير مقبول شرعاً أو عقلاً أو عرفاً لإيصاله إلى عدم الاستقرار والأمان الأسري الذي قامت كثير من الأحكام الشرعية والعقلية والعرفية على حمايته.

ثالثاً: أتفق تماماً مع من يرى ضرورة تدخل الدولة لإلغاء قرار المحكمة بفسخ نكاح فاطمة من منصور طرفي القضية التي أثارت الجدل؛ تجنباً لأبعاد اجتماعية خطيرة لا أعتقد من أصدر هذا الحكم التفت إليها، ولن يدرك مداها وينتبه لها إلاّ عندما تكثر قضايا طلب التفريق بين زوجين تم زواجهما بموافقة شرعية، وكونا أسرة، وأنجبا أطفالاً لمجرد أن الأخ، أو العم، أو ابنه على اعتباره أيضاً أحد الأولياء كان معارضاً وقت وجود من تعتبر ولايته، وهذا أمر له آثاره الخطيرة التي سينشأ عنها ضحايا لا حصر لهم إن لم يكن المجتمع بأسره، أما مسألة أن في مثل هذه الزيجات ضررا على قريبات المرأة المطلوب فسخ نكاحها لإحجام الأكفاء عن التقدم للزواج بهن، فهو تقديم لدرء مفسدة محتملة في مقابل إيقاع مفسدة متحققة وقائمة، وأي عقل سليم يقول بذلك.

وقد كان الأستاذ المحرق ضيف الحلقة الفاضل قد اعتبر قياس الأستاذ الكريم عبد الرحمن اللاحم محامي الزوجين هذه القضية على قضايا الثأر قياسا مع الفارق على اعتبار أن القضية التي نحن بصددها ليس فيها إراقة دماء كما في قضايا الثأر.

وليسمح لي الأستاذ الفاضل بالاختلاف معه اختلافاً لا يفسد مبدأ الاحترام لكل صاحب رأي يصب في المصلحة، عندما أميل إلى كونه قياساً مطابقاً حتى من جهة تأجيجه للآثار السلبية؛ لأن فتح الباب لأمثال هذه القضايا وإعطاءها السند والدعم الشرعي يوجد مع الأيام حالة اجتماعية ونفسية قد تدفع إلى الجريمة من قتل، أو خطف، وغيره، وهو ما نغفل احتسابه اليوم ثأراً للنفس، والشريك، والأسرة، ومع افتراض عدم وقوع ما قدرناه فإن ثمة جريمة غير مبررة تقع على أطفال وأسرة يحكم عليهم بالضياع، وتعرضهم لنشأة قد لا تكون سوية، المجتمع بأسره هو الضحية الحقيقية لها، وهي تماماً كقضية الإرهاب عندما تساهلنا في بداياتها عن قمع الفكر الأحادي المتبني للعنف الاجتماعي باسم الدين، وصحونا فجأة على فظائع الكل يئن من ويلاتها، ويتجرع مرارتها.

فك الالتباس

بقي بعد هذه المحطات أن أقف عند القضية التي لعلني أزعم أنها القضية الأم في الضبابية التي تعتري كثيراً من القضايا المثيرة للجدل بين شرائح المجتمع المختلفة من مثقفين، ومتخصصين في الشريعة، والاجتماع، بل بين بسطاء الناس، ألا وهي الالتباس في هذه القضايا هل هي شرعية أم عرفية؟ ثمإن ثبت أنها عرفية يأتي خلاف آخر حولها هل القضايا العرفية ضابطة للشرع أم أن الشرع ضابط لها؟

ولعلني من خلال نظرٍ في كتب الفقه ترافقه دراسة لنظرية العرف قد وصلت لسبب هذه الربكة الشرعية الاجتماعية، التي ساندها انحباسها في زوايا باهتة لا يسلط الضوء عليها، وعدم اقتحامها بجرأة كافية قادرة على إزاحة الغمة ووضع الأمور في نصابها، ولعل القارئ الكريم يتسع صدره للنظر فيها متى أجملتها في النقاط التالية:

قبل كل شيء تتفق كلمة الفقهاء على اعتبار العرف دليلاً شرعيًّا، إلا أنه ليس دليلاً لإنشاء الأحكام إذ المنشئ للحكم الشرعي هو الكتاب والسنة، وهذا أمر يتطلب تحديداً لدور العرف بعد أن نعلم عدم اعتباره في تغيير محرم مقطوع بحرمته، أو واجب مقطوع بوجوبه، وإنما دوره يتحدد في أمرين:

أولهما: تفسير وبيان ما أُجمل في الشريعة من أحكام؛ كالاستعانة به في تحديد المهر الواجب لمن أُغفل تسميته لها عند العقد، أو بيان كيفية الاعتداد الواجب على المرأة، أو أسلوب معاملة مشروعة من بيع وشراء وإجارة وغير ذلك مما لا حصر له.

وهذا يوصلنا إلى أن العرف لا يوجب ولا يحرم، وإنما يحدد المراد من الواجب والمحرم الذي أُجمل في الشريعة قصداً دون تفصيل، وتُرك للبيان العرفي ليكون بمثابة الجسر الذي يقرب تطبيقه للناس والتعايش معه، وهو أحد الأمور الجوهرية التي تبرز رونقاً للشريعة رغماً عن كثير من محاولات تطبيقية عمياء عن مثل هذه المقاصد.

ثانياً: يأتي العرف كمرجّح في بعض الأمور الخلافية القائمة عليه، فيكون من حق كل فئة من فئات المجتمع فضلاً عن المجتمعات المختلفة أن ترجح منها ما يتفق مع خلفيتها الثقافية، والاجتماعية دون محاولة تسلط لتقديم عرفٍ على آخر، أو تمكين ثقافةٍ ما من تهميش جميع الثقافات في المسائل التي ترك الشارع الحكيم إخضاعها لنصوص قطعية، وجعلها تدور في قوالب ظنية تحتمل هذا وذاك إلاّ أن هناك شرطاً للعرف الذي يعدّ مرجحاً، وهو أن يتفق عليه أصحاب العقول والطباع السليمة، وهذا قيد له أهميته في إلغاء الأعراف الفاسدة التي لا تتفق مع الطباع السليمة، ولا مع الإنسانية، وعليه لا تتفق مع الشرع حتماً، وأعتبر العرف الذي قامت عليه القضية التي نحن بصددها من هذا النوع.

وما قد لا يلتفت إليه أن الأمر متسامح فيه، وأن هذا النوع من القضايا هو اجتماعي بالدرجة الأولى يخضع للنظر لا للاختلاف، والمشاحة، والعنت، وعبارة النظر تعني تقرير المصلحة وترجيحها، والالتفات إلى المقاصد وتغليبها، والعجب لقضايا أسست لتيسير أسباب الحياة تتحول إلى جذور فرقة، وتناحر، وجدلٍ عقيم، وأحياناً ارتفاع رؤوس فكر أحادي لا يلتفت إلى قواعد مقررة في نظرية العرف منها عدم السماح لعرفٍ بإلغاء عرف، ومنها أيضاً أن الأحكام العرفية قابلة للتجدد بتجدد الأعراف فلا مبرر للتردد أو الحرج من كل ما يجد، بل وضع الأحكام التي تتناسب معه في إطار رؤية واعية مدركة للمقاصد التي عمدت لإيجاد مساحات غير محددة جزماً كان بالإمكان الجزم بها لولا الاعتبار الحكيم لها في مسايرة طبيعة الحياة.

تطبيق حرفي

وفيما أظن تغليباً أن منشأ ما يحدث تنصيص الفقهاء على كثير من الأحكام العرفية في كتبهم على سبيل المثال، وإلاّ لتعارض مع ما قدمت عنهم، فأتى من بعدهم وأراد تطبيقها بحرفيتها دون النظر إلى القواعد التي تحكمها، أدى إلى توارث هذه القضايا على أنها شرعية وهي في حقيقتها عرفية، الفيصل فيها ما يقوله العرف السليم، مع قبولها للتغير بتغير الأزمان والأعراف تمخض عنه ولادة فئات تشددوا في كونها شرعية وضرورة تطبيقها كما وضعت فأخذوا بنا إلى ما نراه اليوم.

وتوصلني هذه الدراسة من ثنايا تلمس المقاصد والرؤية السليمة الصحيحة للقضايا العرفية والشرعية والتمييز بينهما أنه آن الأوان لأن يسند لكل فئة في المجتمع دورها الأجدى والأنفع له في أمثال هذه القضايا، ولا تكون الكلمة حكراً على أهل الشريعة، بل يفسح المجال للفئة صاحبة الخبرة أن تكون أصلاً في تقرير الحكم المبني على المصلحة إلى جانب الشرعيين، فإن كانت طبية كان لأهل الطب كلمة معتبرة، وإن كانت اجتماعية ساند خبراء علماء الاجتماع أهل التخصص الشرعي تجنباً لاحتكار الشرعيين البت في جميع القضايا، حتى تلك التي لا يكونون بالضرورة أهل النظر فيها، كما أعتقد أنه أصبح من الضروري نصب مساندين للقضاة من أصحاب التخصصات المختلفة في هذه القضايا تحديداً لإصدار أحكام لا نندهش بشدة عند وقوعها كما في قضية اليوم السابع!

أفلحوا لو تركوا لها أمرها

تتحدث المرأة السعودية عن حرمانها من قيادة السيارة وكأنها أَلِفت حصولها على جميع حقوقها وعدم حرمانها منها سوى هذا الأمر، طابور من علامات الاستفهام يتقافز من وسائل الإعلام المختلفة ومن العالم أجمع.. ما الذي يحول دون السماح بذلك؟.. فيأتي إيضاح الملك عبد الله بأن الدولة مستعدة لتوفير المناخات اللازمة لأي قضية يوافق عليها المجتمع، لتكثر علامات الاستفهام حول الحائل إذا لم يكن الدين، أو السلطة!!.

مركبة الأحلام

اللافت للنظر إلى درجة العجب وضع المرأة السعودية هذا المطلب في قائمة أولويات مطالبها إلى حد الإيحاء بأن عدم مساواتها بنظيرها السعودي يقع فقط في دائرة الحرمان من قيادة مركبة الأحلام. الأمر لا يستحق هذه الضجة النسائية والإعلامية المبالغ فيها باعتباره أمرًا لا يمنعه الشرع أو السلطة، ما يستحق كل ذلك هو الحائل الحقيقي المتستر خلف جدران النظرة المجتمعية المجحفة بالمرأة.

التكريس النسوي والإعلامي الأوْلى به أن يوجّه للمطالبة ببديهية مساواة المرأة بالرجل على المستوى الإنساني، إلى خلق نظرة منصفة تعترف بها كائنًا إنسانيًا له احتياجات وحقوق كغيره من بني البشر الذكور، هي بحاجة إلى توفيرها، وقبله الإحساس بها كائنا حيا قادرا على القيام بنفسه وعدم التبعية للآخرين غير عاجزٍ، أو مشلولٍ يتوكأ على أكتاف القادرين.

المرأة بحاجة إلى الانفكاك عن النظرة المرتابة في قدرتها على الإجادة دون تدخل الرجل، تلك النظرة التي فُرضت عليها قضاءً وقدرا ولم تُجدِ كل النماذج النسائية السعودية المشرفة المسئولة في أرقى درجاتها في نفيها، هي بحاجة إلى رؤية ترتفع بها عن مجرد النظر إليها كأنثى خلقت فقط إرضاءً للرجل، وإشباعا لحاجاته، الإطار الشرعي يحدّد قوامة الرجل على المرأة في حدود الزوجية، والمستوى الاجتماعي يتعدى الحدود ليعطي كل رجل في المجتمع نفسه حق القوامة على كل امرأة فيه، حتى في أرقى المستويات العلمية تظل المرأة السعودية تابعة لنظيرها المكافئ لها في الدرجة العلمية والمسمى الوظيفي إلى حد الوقوف عاجزة أمام اتخاذ قرار يخص شئونها وشئون من تتولى من بنات جنسها دون المرور بالمرجعية الذكورية.

منطلقات تربوية

في ثنايا حديث تجاذبت أطرافه مع أحد محارمي سألني عن حق المرأة الشرعي في قيادة السيارة، فأجبته بالإيجاب لعدم وجود ما يدل على المنع، ووجود مؤيد من سيرة النساء في عصر الرسالة، وما بعدها اللائي ركبن الدواب، وخرجن لأعمال خارج البيت كمن كانت تجزّ نخلاً لها ترتزق منه؛ فما كان منه إلا أن قال: لو حدث وسمح للنساء بذلك، ووجدت إحداهن في طريقي فسأحطم رقبتها.

من يعتقد أنه كلام شاب طائش، أحمق، لا يتفاهم إلا بمنطق "العضلنة" سيذهل كما فعلت عند علمه أنه شاب متعلم، على درجة من الوعي والذكاء، والسماحة، ودماثة الخلق.

المهم في ذلك أن هذا الحوار لفت نظري إلى ضرورة إعادة صياغة للمجتمع ذكورا، وإناثا من منطلقات تربوية يكون فيها الرجل أقل أنانية، وعنفا، وأكثر إنصافا، وعدلا، وتربى المرأة على أن تكون أكثر ثقة بنفسها، وإيمانا بقدراتها. يتحقق ذلك متى سُمح لها أن تكون مسئولة ذات اختيار تتحمل تبعاته سلبا، وإيجابا دون أن تقوم الدنيا على رأسها وتقعد متى أخطأت في قرار، أو يستدعى تراث ضخم كُرّس ذكوريا كشاهدٍ على عدم غرابة وقوع الخطأ منها؛ إذ لها فيه سوابق لا تحصى ولا تعد.

الخطأ في اتخاذ قرارٍ ما كالإصابة فيه، المرأة ليست بدعا فيه بالاعتبار الإنساني الذي يتساوى فيه الرجل والمرأة، تلحقهما جميعا مسئوليته الدنيوية أمام المجتمع، والأخروية أمام الله عز وجل.

قول الملك عبد الله حفظه الله: الدولة عليها تهيئة المناخات اللازمة للقضايا التي يتفق عليها المجتمع، إشارة مدركة للأسباب الحقيقية كشفت بجلاء عن عدم وجود المانع الشرعي، أو السلطوي، كما أزاحت الستار عن حاجة المجتمع إلى تهيئة تستند إلى مقومات تربوية أخرى للرجل، والمرأة قوامها احترام فِعليٌّ للمرأة يتعدى حدود النظرية غير المجدية.